الرئيسيةالسياحة في جدةمناطق تاريخيةفنادق جدة منذ ألف عام
فنادق جدة منذ ألف عام
 

خبرات تراكمية في مجال خدمة حجاج بيت الله الحرام:

يرى كثير من المؤرخين أن صناعة الفندقة كانت من أفكار العرب. ومن هؤلاء، المؤرخ المعروف عبد القدوس الأنصاري - رحمه الله - الذي استند في ذلك إلى ماجاء في كتاب (شمس العرب تسطع على الغرب) لكاتبته الألمانية (زيفريد هونكه)، الذي عربه كل من فاروق بيضون، وكمال دسوقي، والذي جاء فيه ما نصه "ففي كل الموانئ، وفي كل منافذ الحدود أنشأ فردريك بيوتا حكومية على نمط الفنادق العربية وبالاسم العربي نفسه وجعلها تخدم المسافرين والتجار وتعد لهم مبيتهم". وقد شرحت مؤلفة الكتاب كيف انتقلت صناعة الفندقة من مملكة صقلية وايطاليا التي نقلتها من حضارة العرب إلى أوروبا بالتدريج حيث بدأت بقية المدن الأوروبية تقلد ما حدث في المدن الإيطالية من بناء للفنادق.

ويعرف الأنصاري كلمة الفندق بأنها من الكلمات المعجمية، أي التي أوردها أصحاب المعاجم العربية وحللوها وشرحوا معانيها وأوردوا أصلها، حسب ما توصل إليه علمهم". فإبن منظور في "لسان العرب"، يعرف الفندق بأنه الخان، ويقول إن "الفندق بلغة أهل الشام خان من هذه الخانات التي ينزلها الناس مما يكون في الطرق والمدائن".

وتاج العروس شرح القاموس يبين أن أهل الشام يسمون الفندق (خانا). واليوم تكاد لا توجد مدينة في العالم لا تنتشر فيها الفنادق، بل وربما لا يوجد بيننا من لا يعرف فندقا أو سكن في فندق أو عمل بواحد. والفندقة صناعة كبرى على مستوى العالم تدر البلايين من الدولارات وتوفر الملايين من الوظائف، وهي صناعة قديمة راجت في بلاد العرب منذ مئات السنين. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أورد الرحالة ابن جبير أسماء الفنادق التي نزل بها في رحلته الشهيرة التي زار خلالها عدة دول عربية وغير عربية، وقام خلالها بأداء مناسك الحج عام587هـ/1182م وبقى في جدة خلالها فترة من الزمن.

وقد أورد الشيخ عبد القدوس الأنصاري في كتابه الموسوم (مع ابن جبير في رحلته) بعض المعلومات عن هذه الفنادق التي سكنها ابن جبير، ‏ننقل بعضا من ذلك هنا بتصرف. يقول الأنصاري: "حينما وصل ابن جبير إلى الإسكندرية بحرا نزل بفندق (الصفار) بمقربة من الصبانة، ثم نزل بفندق أبي الثناء بمصر القديمة بالقرب من جامع عمرو بن العاص - رضي الله عنه -، نزل فيه هو وصحبه في حجرة كبيرة على بابه. يقول الأنصاري - رحمه الله - إن ابن جبير ذكر مراراً أن نزوله هو ومن معه في الفنادق أثناء رحلته كان "في حجرة كبيرة على باب الفندق"، ويشرح الأنصاري ذلك بقوله: "فلربما كان هناك سر خاص أو عام لم يشر إليه وراء نزوله في الحجر والأبواب المذكورة".

ويكمل الأنصاري قائلأ: "ثم نزل بها (مصر) بفندق ابن العجمي بالمنيا في مدينة (قوص)، وقد نزلوا فيه على باب الفندق أيضا ويستمر قائلا: "وقوص هذه التي بها الفندق المذكور هي "محط الرحال ومجتمع الرفاق وملتقى الحجاج المغاربة والمصريين والاسكندريين ومن يتصل بهم، فيحق لها أن يكون بها هذا الفندق".

ويستطرد الأنصاري قائلأ : وفي طريق عودته من بلاد المشرق نزل (ابن جبير) بخان أبي الشكر وكان هذا الخان في مدينة حلب، ثم نزل (بخان التركمان) ويقع في موضع يعرف بـ (باقدين)، وصفه ابن جبير بأنه وثيق الحصاة، ثم نزل بخان (تمنى) ويقع في موضع يعرف بهذا الاسم. بعد ذلك نزل بخان (حماة) في مدينة حماة في بلاد الشام.

ثم نزل (بخان قرية القارة) وهو فندق يقع في قرية القارة من قرى بلاد الشام، وبعد ذلك نرل بخان السلطان أي السلطان صلاح الدين. يقول الأنصاري إن صلاح الدين - على ما يقوله ابن جبير - بنى هذا الخان، وهو في غاية الوسامة والحسن... بباب حديد على طريقة بناء الخانات في الطرق آنذاك.

فنادق جدة في زمن ابن جبير ( خلال القرن السادس الهجري):

من المعروف أن ابن جبير قام بثلاث رحلات، أشهرها الرحلة التي أصدر عنها كتاب وسمه، (رحلة ابن جبير)، والتي وصل خلالها إلى جدة في شهر ربيع الثاني من عام 579هـ في طريقه إلى مكة المكرمة لأداء مناسك الحج.

وقد وصف ابن جبير الدار التي سكن بها في جدة خلال إقامته فيها، وقد نقل هذا الوصف لنا مؤرخ جدة، الأستاذ عبد القدوس الأنصاري - رحمه الله - في كتابه آنف الذكر ما ننقل بعضه هنا بتصرف. يقول ابن جبير: "وكان نزولنا في صرح من تلك الصروح الخوصية التي يبنونها - يعني أهل جدة - في أعالي ديارهم ويخرجون منها إلى سطوح يبيتون فيها". يبين الأنصاري أن ذلك يدل على أن ابن جبير قدم جدة في فصل الصيف.

ويكمل ابن جبير واصفا جدة فيقول: "وجدة هذه قرية على ساحل البحر المذكور، أكثر بيوتها أخصاص وفيها فنادق مبنية بالحجارة والطين، وفي أعلاها بيوت من الأخصاص كالغرف، ولها سطوح يستراح فيها بالليل من أذى الحر". وبعد ذلك يقول ابن جبير "ولهذه القرية آثار قديمة تدل على أنها كانت مدينة قديمة" ثم قال "وأثر سورها المحدق بها باق إلى اليوم". يقول الأنصاري معلقا على قول ابن جبير هذا: "إن وجود الفنادق في جدة على ما تحدث به ابن جبير يدل على أنها كانت مدينة ثم تقلص عمرانها فأصبحت قرية على ما شاهدها عليه في أواخر القرن السادس الهجري".

فنادق جدة في زمن ابن المجاور (خلال القرن السابع الهجري):

أما الرحالة جمال الدين أبي الفتح يوسف بن يعقوب بن محمد المعروف بابن المجاور الشيباني (المولود عام 6.1هـ) صاحب كتاب (تاريخ المستبصر) والذي رسم أقدم خريطة معروفة لجدة، فقد قال عن جدة عند زيارته لها في القرن السابع الهجري، إنها كانت شديدة الازدحام بالحجاج ‏ووصف أبنيتها بأنها من الحجر الكاشور وهو نفس الحجر الرملي المعروف في جدة اليوم "بالمنقبي" كما ذكر أنه كان بجدة فنادق تؤجر فيها الغرف للمسافرين والحجاج، وأنه كان فيها حينئذ خانين كبيرين متقابلين.

وأضاف ابن المجاور "أن الأمير شمس الدين طبنغا بنى بظاهرها خانـًا كبيرًا سنة 623هـ، وذكر ابن المجاور أنه كانت تدفع رسوم عقارية قدرها ثلاثة دراهم سنويًا لكل عقار. كما قال إن "جدة كلها خانات". وقد فسر الأستاذ عبد القدوس الأنصاري قوله هذا بأنه ربما قصد "أن جميع منازل جدة، أي ما كان خاصا بسكن أهله وما كان غير ذلك تصبح كلها فنادق في موسم الحج، من أجل إنزال الحجاج بها أو بجزء منها بالكراء".

وقد كان حديث ابن المجاور عن فنادق جدة شاملأ إذ سجل أسماء بعض هذه الفنادق في زمنه وعين أماكنها وبين أن اسم أحدها كان " خان البصر".

فنادق جدة في زمن ابن بطوطة (خلال القرن الثامن الهجري):

قال ابن بطوطة عن جدة عندما وصلها عام 729هـ، "أنها بلدة قديمه على ساحل البحر بخارجها مصانع قديمة، وبها جباب للماء منقور فر الحجر الصلد يتصل بعضها ببعض تفوت الاحصاء كثره". يقول الأنصاري إن ابن بطوطة: "ذكر أنه وجد بجدة لما زارها فنادق، كان الواحد منها يسمى (الخان)، ينزله المسافرون بدوابهم، بخارج كل خان ساقيه للسبيل وحانوت يشتري منه المسافر ما يحتاجه لنفسه ودابته.

فنادق جدة في القرن التاسع عشر الميلادي:

أما الرحالة السويسري لويس بوركهارت في كتابه (رحلات إلى شبه الجزيرة العربية) فيقول إنه: "عندما قدم إلى جدة التي وصلها في الخامس عشر من يوليو عام 1814 ‏وكتب عنها واصفا أسواقها وأهلها ومساكنهم وطرق حياتهم وبين أنه كان بها فنادق كبيرة فيها "ينزل فيها الأجانب القادمون للتجارة".

عن ذلك يقول بوركهارت: "وهناك في شارع المتاجر الكبير عشرة أنزال (فنادق) واسعة وتكتظ دائما بالغرباء والبضائع" وقال بوركهارت إن هذه الأبنية في جدة تدعى (أحواشا) بينما تسمى في سوريا (خانا) وشرح أن هذه كلمة تعني في اللهجة المصرية ساحة أو فناء.

فنادق جدة في بداية القرن الرابع عشر الهجري:

أما إبراهيم رفعت باشا في رحلته عام 1318هـ إلى جدة فقد سجل وجود فندقين بها إلا أنه لم يحدد موقعهما ولم يذكر اسميها.

عدنان اليافي
باحث وأكاديمي